كنت بتكلم بهدوء، بوزن كل كلمة بقولها.. مش عشان أخبي الحقيقة، بس عشان أديهم الحقيقة على قدهم، من غير خوف.
عدينا من بوابة التفتيش. الموظف راجع الورق، بص لي، وبعدين بص للولاد
رحلة سعيدة يا مدام.
شكراً.
مشينا في الممر اللي واصل للطيارة. ريحة المكان كانت خليط بين القهوة والمعدن. أصوات الركاب بدأت تتداخل بلغات كتير.. لغة بلدنا، ولغات تانية غريبة هنسمعها كتير الفترة الجاية.
قعدنا في أماكننا. ياسين جنب الشباك، سلمى في النص، وأنا على الممر. أول ما الطيارة بدأت تتحرك، ياسين ريح راسه على الإزاز وسألني بصوت واطي
إحنا هنرجع بيتنا تاني يا ماما؟
سكت لثواني، وبعدين قلتله
إحنا هنبني بيت جديد يا ياسين.. أحلى من القديم.
هز راسه.. مكنش مقتنع أوي، بس م ناقشنيش.
الطيارة بدأت تعلي سرعتها. سلمى مسكت في دراعي جامدبقلم منال علي
هنوصل بسرعة؟
شوية يا روحي.
العجل ساب الأرض. القاهرة بدأت تصغر تحت السحاب.. كنت براقبها وهي بتختفي، بس مكنتش حاسة إني هاربة، كنت حاسة إني بقفل فصل من حياتي في ميعاده بالثانية.
موبايلي هز لآخر مرة قبل ما يفصل شبكة. رسالة من الدكتورة صافي
التحليل اتطلب رسمياً.. الدكتور صمم على رأيه إن المواعيد مش راكبة.. رامي دلوقتي بيواجه نورا، والعيلة كلها اتقلبت ١٨٠ درجة بقلم منال علي
مفتحتش الرسالة حتى. قفلت الموبايل خالص. مكنتش محتاجة
أعرف تفاصيل أكتر.. الحقيقة بتعرف طريقها لوحدها.
بينما الطيارة كانت في الجو، بدأت أغمض عيني وأرتب أفكاري.
الحقيقة إني مخدتش القرار ده في يوم وليلة بقلم منال علي
من شهور، بدأت ألاحظ علامات غريبة تحويلات بنكية في مواعيد مش منطقية، فواتير بأرقام متقفلة بزيادة، سفريات شغل دايمًا بتيجي في عز الأعياد.
سجلت تواريخ. قارنت كشوف حساب. صورت ورق. كل حاجة كانت بتتعمل بهدوء.. وبنظام.
في أول مقابلة مع الدكتورة صافي، رحتلها بملف مترتب كأنه قضية أمن دولة. قلبت فيه في صمت وبعدين بصت لي وقالتبقلم منال علي
إنتي مجيتيش هنا بقرار انفعالي.
لأ.
خلاص.. يبقى هنعمل كل حاجة صح.
الخطة كانت بسيطة نخرج من غير خناق مباشر، نأمن مستقبل العيال، نخلص الطلاق رسمي، وبعدين نسيب الحقايق تظهر في وقتها.. من غير شوشرة ولا فضايح عامة، ولا نديله فرصة يغير الحكاية أو يمثل دور الضحېة بقلم منال علي
في الجو.. وفي الزمالك
الطيارة عدت بمطب هوائي خفيف. سلمى ضغطت على إيدي
هو ده إيه؟
عادي يا حبيبتي، ده زي نقر في الطريق كدة، وهتعدي.
ياسين بص من الشباك وكمل
كأننا ماشيين في شارع مكسر.
بالظبط كدة.
طلعت النوتة بتاعتي من الشنطة. فتحت الصفحة اللي كاتبة فيها مهام أول أسبوع في تورونتو تقديم المدرسة لياسين، كشف دكتور أطفال لسلمى، فتح حساب بنك، تأجير شقة مؤقتة. حاجات بسيطة.. بس هي دي اللي بتبني الحياة.
في نفس اللحظة.. في العيادة.. الجو كان اتغير تماماً.بقلم منال علي
رامي صمم على تحليل ال DNA. الممرضات كانوا بيشرحوا الإجراءات. والدته اللي كانت طايرة من الفرحة، بقت واقفة بعيد عن نورا تماماً. والده فضل ساكت، ملامحه بقت حادة وناشفة. ونيرمين كانت ماسكة موبايلها بتبعت رسايل بسرعة، بتحاول تلاقي مخرج للڤضيحة
دي.
الموضوع ده لازم يتوضح حالاً رامي قالها بصوت واطي بس مرعب.
نورا حاولت تتماسك رامي أنا هفهمك..بقلم منال علي
تفهميني بالأرقام.. والمواعيد.
الدكتور اتدخل ببرود الأفضل نستنى نتيجة التحليل، أي استنتاج دلوقتي ملوش لازمة.
بس الحقيقة إن الثقة كانت خلاص اتدبحت.. والشك بقى هو اللي مالي المكان.
بعد ساعات طويلة، كابتن الطيارة أعلن إننا قربنا نوصل. السحاب انقشع وبانت أنوار المدينة تحتنا.. منظمة، واسعة، وجديدة بقلم منال علي
وصلنا؟ ياسين سأل بلهفة.
خلاص يا حبيبي.. وصلنا.
الطيارة لمست الأرض بهدوء. نزلنا، والجو كان أبرد بكتير من مصر.
الجو غريب هنا يا ماما سلمى قالت وهي بتشد جاكتتها.
غريب بس جميل.. هنتعود عليه سوا.
خلصنا إجراءات المطار.. أسئلة واضحة، إجابات صريحة، وختم الباسبور.
بره المطار، كان فيه سواق مستنينا وشايل لوحة مكتوب عليها مدام كاميليا سليم.
أهلاً بيكي في كندا.
طول الطريق، كنت بتفرج على المدينة وهي بتكشف عن نفسها عمارات إزاز، بيوت مرصوصة بنظام، وشجر لسه بيستعد للربيع. بقلم منال علي
هنعيش فين؟ سلمى سألت.
حالياً في شقة مؤقتة.. وبعدين هنختار بيتنا براحتنا.
وصلنا. دخلت الأول وفتحت النور.
صالة بسيطة، كنبة جديدة، ترابيزة صغيرة. مفيش أي ذكرى قديمة في المكان. مفيش ريحة ۏجع.
يلا اختاروا أوضكم.
ياسين اختار الأوضة اللي شباكها كبير. وسلمى اختارت اللي جنب الصالة.
دي أوضتي!
جهزت أكلة سريعة.. عيش وجبنة وفاكهة.
بكرة ننزل نشتري باقي الحاجات.
ممكن أختار الكورن فليكس بتاعي؟ ياسين سأل.
طبعاً.. اختار اللي إنت عاوزه.
بعد الشاور، الولاد ناموا من غير تعب.
طفيت النور وقعدت في الصالة. السكون هنا كان مختلف.. مكنش فراغ، كان مساحة ليّ أنا وبس.
مسكت الموبايل.. مكنش عندي رغبة أفتح أي رسايل من هناك. فتحت النوتة وزودت سطر أفسّح ياسين وسلمى في الجنينة يوم السبت.
قفلتها.
رحت وقفت قدام الشباك. المدينة كانت لسه صاحية.. بس حياتي مقتش بتعتمد على قرارات حد غيري.
أنا مخرجتش عشان أثبت حاجة لحد.. أنا خرجت عشان أحمي اللي يخصني.. ولادي ونفسي.
ومن اللحظة دي، أي خطوة هخدها هيكون هدفها واحد بس إني أسند بكرة.
رجعت الممر، اطمنت على الولاد، وقفلت الباب براحة.
ولأول مرة من سنين طويلة، اليوم خلص وأنا مش حاسة إن فيه حاجة غالية ضاعت مني أو سبتها ورايا.. بالعكس، أنا خدت كل حاجة معايا.
تمت.
أترك تعليق

