خـروج آمـن بقلم منــال عــلي

بعد خمس دقايق بالظبط من توقيع قسيمة الطلاق، خرجت من باب المكتب ومعايا ولادي الاتنين، وطلعت بيهم على المطار فوراً..
في نفس اللحظة دي، وفي عيادة دكتور مشهور في الزمالك، كانت عيلة طليقي بتحتفل ب ولي العهد اللي هيغير مصيرهم.. لحد ما الدكتور قال جملة واحدة بس، خلت كل أحلامهم تتهد فوق دماغهم.
الساعة كانت ١٠٠٣ الصبح.
صوت القلم وهو بيتحط على المكتب كان له رنة غريبة. بصيت لآخر سطر، ولاحظت حاجة مدهشة إيدي مكنتش بتترعش. بقلم منال علي
شهور وأنا بتخيل اللحظة دي بكل تفاصيلها.. كنت فاكرة إني هحس بضيق في التنفس، بۏجع في قلبي، أو حتى رغبة إني أرجع في كلامي. بس محصلش. اللي حسيت بيه كان هدوء نظيف، زي درج كان محشور بقاله سنين وفجأة اتفتح واترتب.
أنا اسمي كاميليا. عندي ٣٣ سنة. أم ل ياسين ٧ سنين وسلمى ٥ سنين. وفي الدقيقة دي، مبقتش مدام رامي بسيوني. بقلم منال علي
قبل ما أسيب القلم، موبايله رن. مكنتش مكالمة شغل، عرفت ده من الرنة، ومن ملامحه اللي اتغيرت فجأة.. حواجبه هديت، وطرف شفايفه اترفع بابتسامة، وطريقة قعدته اختلفت.
رد وهو لسه قاعد قدامي
أيوه يا نورا.. خلصنا خلاص، وقعت.
سكت ثانية وكمل
أنا جاي حالاً.. النهاردة السونار مش كدة؟ متقلقيش، أهلي كلهم في الطريق للعيادة.
كان بيتكلم بحنية واهتمام مكنش بيديهم ليّ من سنين.
المولود ده هيغير كل حاجة.. من النهاردة الدنيا هتبقى مختلفة.
المحامي زق الورق ناحيته، رامي مقراش.. وقع بسرعة وببرود، زي ما بيوقع عقود شركاته.
الشقة هتفضل معايا قالها وهو باصص في الورق مش في عيني والعربية كمان.
هز كتافه وكمل بقلم منال علي
العيال يفضلوا معاكي، كدة أسهل للكل.
زمان كان ممكن أثور، أصوت، أو حتى أعيط.. بس النهاردة، سجلت كلامه في عقلي كأني بكتب عنوان بيت مش أكتر.
أخته، نيرمين، كانت واقفة ساندة ع الحيطة ومربعة إيديها.. بصت لي بنظرة فحص وتقييم وقالت
أخيراً رامي هيعيش حياته صح.. مع واحدة تقدر تحافظ على اسم العيلة وتجيب الوريث اللي بجد.
مردتش عليها. فتحت شنطتي، طلعت ميدالية المفاتيح وحطيتها على المكتب.
الشقة فاضية، أنا نقلت حاجتي وحاجة العيال من إمبارح.
رامي ضحك ضحكة قصيرة
أحسن برضه.
طلعت باسبورين لونهم أزرق وحطيتهم جنب المفاتيح
طيارتنا الساعة ٢ الظهر.. مسافرين كندا.
رفع راسه پصدمة بقلم منال علي
كندا؟ يعني إيه؟
نيرمين ضحكت باستهزاء
ومعاكي فلوس منين يا كاميليا لكل ده؟
رديت ببرود
ده مبقاش موضوع يخصك.
من الشباك، شفت عربية سودة وقفت قدام المبنى. السواق نزل، فتح الباب اللي ورا وفضل مستني.
يا مدام كاميليا، نقدر نتحرك.
رامي قام بسرعة لدرجة إن الكرسي عمل صوت مزعج على الأرض
إيه الحكاية دي؟ إنتي جايبة الفلوس دي منين؟
بصيت في عينه لثواني.. كانت أول مرة من فترة طويلة أركز في ملامحه التجاعيد اللي حول عينه، القلق اللي مبيفارقوش، الهروب من المواجهة. وقلت
أنا رتبت خروجي صح.. بس كدة.
مسكت إيد ياسين، ضغط عليها جامد كأنه بيحاول يفهم اللي بيحصل. شلت سلمى على كتفي، وقلت لرامي وأخته
من النهاردة، مش محتاجين تفصلوا حياتكم على مقاسنا.. عيشوا براحتكم.
خرجت ومن غير ما أبص ورايا. بقلم منال علي
بعد خمس دقايق، كنا في العربية في طريقنا لمطار القاهرة.
الدنيا كانت ماشية بزحمتها المعتادة.. ميكروباصات، ناس بتجري، باعة جائلين. الطريق ده حافظاه صم، بس المرة دي كان فيه سر مختلف أنا مش راجعة البيت.
سلمى ريحت راسها على كتفي، وياسين باصص من الشباك.
يا ماما، هنغيب كتير؟ سألني بصوت
واطي.
مش عارفة يا حبيبي.. بس رايحين مكان نقدر نبدأ فيه من جديد.
موبايلي هز. رسالة من الدكتورة صافي، المحامية بتاعتي
هما وصلوا العيادة دلوقتي.. الدكتور بدأ يشوف الفحوصات.
مردتش. قفلت الشاشة وحطيت الموبايل في الشنطة.
في نفس الوقت.. في الزمالك
عيلة بسيوني كانت داخلة العيادة وكأنهم داخلين حفلة.
والدة رامي ماشية في الأول بوقار مصطنع، وراها والده حاطط إيده ورا ظهره، ونيرمين ماسكة الموبايل بتصور كل لحظة عشان تأكد لنفسها وللعالم إن الوريث وصل.
نورا الزوجة الجديدة كانت قاعدة في الانتظار، لابسة طقم غالي وشايلة شنطة ماركة. أول ما شافت رامي وشها نور.
جيت يا رامي؟
قلتلك هكون هنا وطبطب على كتفها.
والدته قربت منها وقالت بابتسامة مكنتش بتطلع أبداً لولادي
حفيدي هيشرف الدنيا وينور عيلة بسيوني.
محدش جاب سيرة ياسين.. ولا سلمى.. كأنهم مكنوش موجودين في يوم من الأيام.
الممرضة ندهت بقلم منال علي
مدام نورا.. اتفضلي.
الأوضة كانت هادية، الإضاءة خاڤتة. الدكتور رحب بيهم وبدأ يجهز السونار.
نورا نامت على السرير، والجل البارد لمس بطنها.
رامي قرب بلهفة
هنشوفه النهاردة يا دكتور؟
الدكتور بدأ يحرك الجهاز.. الصورة بدأت تظهر رمادية ومشوشة على الشاشة.
والدة رامي حطت إيدها على بؤها من الفرحة.
كله تمام يا دكتور؟ رامي سأل بقلق.
الدكتور مردش فوراً. فضل يحرك الجهاز، يزوم، ياخد مقاسات، ويراجع الورق اللي قدامه.
السكوت طال.. وبدأ التوتر يتسرب للكل.
يا دكتور؟ سامعنا؟ رامي كرر سؤاله.
الدكتور خد نفس عميق وقال بقلم منال علي
أنا محتاج أراجع معلومة بس.
كتب حاجة وقارنها بالملف، وبعدين قال بنبرة محايدة
فيه فرق بين التاريخ اللي حضرتك قولتي عليه، وبين مقاسات الجنين اللي ظاهرة قدامي. بقلم منال علي
رامي عقد حواجبه
فرق إيه؟ مش فاهم.
الدكتور كان مباشر جداً
نمو الجنين بيقول إن الحمل حصل قبل الفترة اللي قولتوا إن العلاقة بدأت فيها بأسابيع.
الجملة نزلت زي الصاعقة.
نورا اتسمرت مكانها. بقلم منال علي
إيد والدة رامي نزلت جنبها وهي مش مصدقة.
نيرمين بطلت تصوير بالموبايل.
رامي استوعب الكلام ببطءبقلم منال علي
يعني إيه.. قبل؟
الدكتور قفل الجهاز وقال
ده معناه إن الحمل بدأ قبل ما تتجوزوا، وقبل التاريخ اللي حضرتك ذكرته في التاريخ المړضي. أنصحكم تعملوا تحليل DNA للتأكد.
رامي ضحك ضحكة صفرا، بص لنورا وقال
إنتي كنتي عارفة؟
نورا حاولت تتكلم
رامي.. أنا أقدر أشرحلك..
قاطعها بزعيق بقلم منال علي
تشرحي إيه؟!
والدة رامي رجعت
لورا خطوة، ملامح الفرحة اتحولت لڠضب وقرف
ده مش ممكن يحصل.. أكيد فيه غلط!
في الممر، الهمس بدأ بين القرايب اللي كانوا جايين يباركوا. والد رامي بص في الأرض وسكت تماماً.
في لحظة.. كل اللي كانوا بيسموه نصر ووريث بقى ڤضيحة.
على طريق المطار
ياسين كان لسه ساند راسه ع الزجاج.
بصيت لولادي.. ركزت في كل تفصيلة ياسين وهو بيفرك صوابعه لما بيقلق، وسلمى وهي بتدندن بصوت واطي عشان تطمن نفسها.
أنا عارفة كويس أنا سبت ورايا إيه.
وعارفة أكتر، أنا واخدة معايا إيه.
موبايلي رن تاني.. رسالة جديدة
رامي مڼهار وبيطلب تحليل ډم حالاً.. العيلة كلها في حالة صدمة.
قفلت الموبايل من غير ما أكمل قراية.
مبقتش محتاجة أتفرج على المسرحية.
الحقيقة مش محتاجة جمهور عشان تكون موجودة.
بصيت من الشباك، شفت يافطة المطار قربت.
مسكت إيد ياسين وقلت بصوت هادي وواثق
كله هيبقى تمام يا حبيبي.
مردش.. بس ضغط على إيدي بقوة.
في اليوم ده، أنا مهربتش.
أنا مشيت في الوقت الصح بالظبط.
لأن فيه وقعات مش محتاجة حد يزقك فيها..
هي بتحصل لوحدها.
ولما بتحصل.. بتهد كل حاجة كانت مبنية على كدب.
النداء الأخير للطيارة بدأ الساعة ١٢٠ الظهر. الطابور كان بيتحرك ببطء،
على صوت جهاز المسح الضوئي وتوجيهات الموظف اللي بتتعاد كل دقيقة.
ياسين كان ماسك باسبوره بإيديه الاتنين كأنه خاېف يطير منه. سلمى كانت واقفة قدام الشباك، بتراقب الطيارات بصباعها الصغير وبتحاول تحزر أنهي واحدة فيهم بتاعتنا.
هي دي يا ماما؟ سألت وهي بتشاور على طيارة ضخمة.
لا يا حبيبتي، طيارتنا لسه هتقرب دلوقتي.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
2